أحمد مصطفى المراغي
84
تفسير المراغي
[ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 57 إلى 59 ] لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( 57 ) وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَلا الْمُسِيءُ قَلِيلاً ما تَتَذَكَّرُونَ ( 58 ) إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ ( 59 ) المعنى الجملي بعد أن ذكر سبحانه فيما سلف أنهم يجادلون في آيات اللّه بغير سلطان ، وكان من جدلهم أنهم ينكرون البعث ، ويعتقدون استحالته ، ويعملون أقيسة وهمية ، وقضايا جدلية ، كقولهم : « مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ؟ » وقولهم : « أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أَ وَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ » * ذكر هنا برهانا يؤيد إمكان حدوثه ويبعد عن أذهانهم استحالته ، وهو خلقه للسماوات والأرض ابتداء على عظم أجرامهما ، ومن قدر على ذلك فهو قادر على إعادتكم كما جاء في الآية الأخرى : « أَ وَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ » . الإيضاح ( لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ ) أي لخلق السماوات والأرض ابتداء من غير سبق مادة - أعظم في النفوس وأجل في الصدور ، من خلق الناس لكبر أجرامهما ، واستقرارهما من غير عمد ، وجريان الأفلاك بالكواكب بلا سبب ، وقد جرت العادة في مزاولة الأفعال أن علاج الشيء الكبير أشق من علاج الشيء الصغير ، فمن قدر على ذلك قدر على ما دونه كما قال : « أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ » .